رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : عمرو الدردير
رئيس مجلس الإدارة : عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير : عمرو الدردير

روسيا.. رحلة في أرجاء الزمن المراوغ

مصطفى جمعة
2018/07/19 12:44 ص
  • طباعة

عندما ترسو مراكبك على شاطئ الأحلام في المدن  الروسية يحدث لديك خلط ما بين مدن الحقيقة التي صنعها واقع التاريخ وانامل البنائين وتراكم الأيام بكل حلوها ومرها، ومدن الخيال التي شيدها إلهام المبدعين في رغبة منهم لتأسيس مدن خاصة بهم، لدرجة أنهم يقنعونك انك تعيش هناك، وتسير على شوارعها، وتتنفس هواءها رغم انهم لم يأخذوا من المدينة سوى اسمها فقط، ليشيدوا مدنا لها علاقة فقط بامانيهم واحلامهم ورغباتهم وخيالهم، لكن من دون شك انه لولا حقيقة بعض المدن الموجودة على الأرض التي اقتطعت من الجمال ومن السحر رسمه واسمه والتي خلدها الأدب، ما نقشت بعض المدن «الخيالية»،، اسمها على جدران الذاكرة. فكم تملك المدن «الواقعية» من قوة «خيالية» في تجسيدها الى الحد الذي يشعرك أنها مدن تنتمي بالفعل الى الخيال أكثر من انتمائها إلى الواقع.

وفي كل الاحوال السفر إلى الأماكن والسهول والفيافي التي تعد من مكونات المدينة اي مدينة ماهو الا رحلة في ارجاء الزمن المراوغ، الذي يلتف حول نفسه، ليجدد المسافات بين ما كان خيالاً وما جسد حقيقة إلى درجة الغاء الفوارق بين ما تشاهده وما كنت تتوقع أن تراه، فبقدر ما يكون الحضور قوياً عمرانياً وحضارياً للمدن كما هي حال المدن الروسية بقدر ما يمتد تأثير ذاكرة المكان إلى أزمنة لاحقة، فالمدن بشكل عام تتجمع وتندثر في رحاب الذاكرة، طبقا للمحطات السعيدة التي عشت فيها والأماكن التي سحرتك والأطياف التي قابلتك، فهناك مدن نمر بها في حياتنا وتبقى بالذاكرة ومدن ليس لها ذاكرة... مدن تبقى بالقلب ومدن ليس لها قلب، مدن نعيشها ونعيش فيها لكن هذه المدن في اعيننا الا في لحظة الرؤية وربما نعشق مدينة عن بعد ونكره منطقة بحكم المحاكاة وتجارب الاخرين وانطباعات المسافرين اليها، وفي كل الاحوال لكل مدية طابع وشخصية تكتسبها من ساكنيها وموقعها وتاريخها.

فبعد الاستمتاع بالكم والكيف في العاصمة، يأخذنا السحر إلى مدن لها من المجد ما يلامس النجوم في السماء، والعز في مكمنه، والتاريخ بكل مراحله من الزمن الذي رحل، والحاضر الذي رسم، والمستقبل الذي وصل وكانت البداية في الزيارة الجديدة للتاريخ في المدن التي هي في الحقيقة مدن تنتسب الى الخيال الروائي، رغم أنها حقيقة مجسدة وموجودة على الأرض، وقد حاولت خلال هذه الرحلة القبض على ملامح المكان على الورق اللاهث لكي انقل الصورة بعين الراوي الذي ادهشه الحدث فانغمس فيه لان ما شاهده في المدن الروسية  اعتقد انها مواقع على سطح الكرة الأرضية مغلفة بنوع من الاستعارة المكانية الساحرة التي تجعلها تتغير يومياً، في كل لحظة، وتصل إلى صورتها القصوى، التي يختلط فيها الخيال مع الحقيقة.

فاذا كان للمبدع الفرنسي مارسيل بروست، مدينته الصغيرة «كومبري» التي هي في الواقع قريبة جداً من باريس، لكنه صنع منها في ابداعه مدينة «خيالية»، جسد فيها «البحث عن الزمن الضائع»، الذي تحول إلى إحدى كبريات روايات القرن العشرين. كما كان للكاتب الايرلندي جيمس جويس، مدينته «دبلن» وهي قريبة وبعيدة جداً لمن يعرفها، التي أحبها بطل روايته «يوليسيس» وكرهها بالقوة نفسها، وفي المضمون تبدو مدينة «سانت بطرسبورج» كما صورها دوستويفسكي، كمدينة تحتية كل شيء فيها مظلم باستثناء سمائها بيضاء. وكذلك براغ التي حولها الأدب إلى المدينة الرمز للماكينة البيروقراطية الحديثة، ولكل الأوضاع المرعبة و«الإسكندرية» التي تحدثت عنها رباعية لورنس داريل، والتي هي خليط من تأنيب الضمير والحب مع الحنين.

فأنا كثيراً ما سألت نفسي وأنا اتجول في مدن روسيا أليست الواقع الذي لامسناه في هذه المدن أقوى من قوة خيال الأدب التي تضفي على المدن بشكل عام ففي هذه المدن لم نجهد انفسنا في البحث عن شيء نتخيل وجوده لان كل ما تخيلناه وجدناه أو رائحة ما زالت تلتصق بالذاكرة، أو عن بيت يحمل سراً نود الكشف عنه، لأصحاب هذه الأرض التي طبعت خطواتهم آثارها في مكان صغير، فتحول إلى روح المدينة، حانة أو مقهى، أو شارعاً كان أم بيتاً.

  • رابط دائم :

أضف تعليق

[x]تابعنا علي فيسبوك!